السؤال الأول لكل زائر يصل إلى كابادوكيا معروف: من أين تنطلق المناطيد، وأي تلة نصعد عند الغروب، وأي درب نسلك في الوديان. لكن هذه الأسئلة كلها تنتهي؛ ومع حلول المساء، وبعد الجلوس إلى المائدة، يبدأ فضول آخر. ماذا نأكل في كابادوكيا، وأي طبق يحفظ تاريخ هذه الأرض، وأي عبق تحمله رياح أوتشيسار؟ في هذا المقال نمر واحدًا واحدًا على عشرة أطباق محلية من ذلك المطبخ الأناضولي القديم المتسلل بين مداخن الجنيات، دون أن ننسى ما ترويه كل واحدة منها.
لم تولد أطباق هذه المنطقة في يوم واحد ولا في مطبخ واحد. فالآشوريون والحثيون والبيزنطيون والسلاجقة والعثمانيون، كل منهم ترك على هذه الأرض توابل أو طريقة طهي أو خميرة. وأقبية الجبن المحفورة في الحجر البركاني، وخمور الجرار في بيوت الكروم، واللحوم المطهوة تحت التندور، كلها تخرج اليوم من الأواني نفسها. ولذلك لا يتسع طبق واحد للإجابة عن سؤال «ماذا نأكل في كابادوكيا؟»؛ فالجواب هو هذه الجغرافيا نفسها.
1. تستي كباب: حكاية تنضج في الطين
أول طبق يخطر على البال عند الحديث عن كابادوكيا هو بلا شك تستي كباب. ففي الجرار المصنوعة من طين أفانوس الأحمر يلتقي لحم العجل أو الضأن بالخضار المقطعة مكعبات والثوم والفلفل والتوابل المحلية. ويستمر الطهي أربع ساعات على الأقل؛ وخلالها تتبادل اللحوم والخضار عصارتها وتتشابك النكهات. والنتيجة طبق طري إلى حد يتفكك بطرف الشوكة، بصلصة كثيفة يغمس فيها الخبز.
لكن المشهد الحقيقي يبدأ في نهاية الطهي. فالجرة، وهي ما تزال ساخنة قرب الجمر، تحمل أمام الضيف وتكسر من عنقها بفأس صغير أو سكين. والبخار الكثيف المتصاعد، ورائحة الطين، وعبق اللحم تصنع أجواء أشبه بالطقس. وتعود هذه الممارسة في الأصل إلى تقنية قديمة جدًا: فالإناء الفخاري يسخن محتواه على نحو متجانس ويحفظ الرطوبة. ولهذا السبب نفسه ظل هذا الأسلوب مستخدمًا في الأناضول منذ العصر الروماني.
2. كباب التندور: مذاق الصبر في باطن الأرض
كباب التندور من أقدم آثار سكان كابادوكيا. ففي حفرة أسطوانية محفورة في الأرض، قاعها مملوء بالجمر، يعلق بالأسلاك لحم ضأن مملّح ومدهون قليلًا بالفلفل. ثم يغلق كل شيء ويطهى اللحم في عصارته على حرارة منخفضة أربع أو خمس ساعات، وأحيانًا ست. ورغم هذا الطهي الطويل يتفتت اللحم إلى خيوط ولا يجف أبدًا. والسبب أن الرطوبة الدائرة في التندور تتحد بدهن اللحم.
وكان كباب التندور يحضّر تقليديًا في الأعراس والختان وأعياد ما بعد الحصاد. وكانت القرية كلها تجتمع حول التندور نفسه. وما زال هناك حتى اليوم حرفيون يحيون هذا التقليد في محيط أفانوس ومصطفى باشا وأوتشيسار. وعلى المائدة يرافقه برغل بالزبدة، وفلفل وطماطم مشوية، وسلطة بصل. وفي لقمة واحدة تحس بالرائحة الكثيفة الترابية لباطن الأرض.
3. مانتي نوشهير: صرة تتوارثها الأم وابنتها
مع أن المانتي يذكّر أولًا بقيصري، فإن مانتي نوشهير يحتل مكانة خاصة. فالعجين أسمك قليلًا، وحشوة اللحم تعجن بالبصل والتوابل، والإغلاق يشكل صرة بأطراف مرفوعة إلى أعلى؛ ويتم الطهي في الفرن أو في القدر. وفي بعض القرى يحمّر المانتي في الفرن قبل التقديم بدلًا من سلقه. ثم يغطى باللبن بالثوم والفلفل الأحمر المحمّر في الزبدة الذائبة.
هذا الطبق ليس وصفة، بل هو أقرب إلى ذكرى. ففي أعراس القرى كان يتوقع من العروس المقبلة أن تتعلم صنع المانتي مع أمها. وتتطلب الصينية الواحدة ساعات من العمل اليدوي: يفرد العجين رقيقًا، ويقطع مربعات صغيرة، ثم تشكل كل صرة واحدة واحدة. لذلك فإن مانتي نوشهير مذاق وخلاصة للنسيج الاجتماعي للمنطقة في آن واحد. وحين يسأل المرء عما ينبغي أكله في كابادوكيا، فالمغادرة دون تذوق المانتي غير مقبولة.
4. شوربة العرس: تحية المائدة الأولى
لم تسم شوربة العرس بهذا الاسم مصادفة: ففي قرى كابادوكيا تفتتح فعلًا مائدة العرس. يطهى لحم الضأن أو العجل طويلًا في مرقه مع الحمص. ثم تربط الشوربة بخليط من الطحين وصفار البيض والليمون واللبن. ويسكب فوقها زبدة ذائبة بالنعناع الجاف. ولونها أصفر خفيف وقوامها كريمي، وطعمها حامض ولذيذ معًا.
وسر هذه الشوربة الحقيقي في نجاح الربط. فإذا أضيف خليط البيض والطحين بسرعة زائدة انفصلت الشوربة؛ لذلك تخفض النار ويضاف الخليط الفاتر تدريجيًا. وكان القدماء يحكمون بالملعقة على جودة الشوربة المربوطة: فإذا بقي غشاء رقيق على ظهرها كان القوام صحيحًا. وهذا التحضير الدقيق يفسر بقاءها ملكة موائد الأعراس والاحتفالات الكبرى.
5. شوربة عيران آشي: انتعاش صيف كابادوكيا
في عز الصيف، جعل الحر الصاعد من الوديان حول أوتشيسار وغوريمه من عيران آشي أحب المقبلات الصيفية في المنطقة. يطهى البرغل والحمص والعدس الأخضر أولًا كل على حدة، ثم تجمع في قدر واحد. ويضاف إلى الخليط لبن طبيعي بارد مخفف بالماء. وبعد التقديم ترش الشوربة بالنعناع الجاف والفلفل الأحمر المشوي وقليل من الزبدة.
وتقدم هذه الشوربة باردة، وهي أيضًا من ثوابت موائد الإفطار في الصيف. فهي خفيفة تفتح الشهية قبل الطبق الرئيسي، وبفضل انتعاش التوابل تشرب بمتعة حتى في ليلة رطبة. وكانت تحفظ تقليديًا في أوان حجرية كبيرة؛ وبرودة الأقبية كانت تبقيها طازجة قبل اختراع الثلاجة. وما زال يمكن رؤيتها اليوم في بعض بيوت القرى تقدم في أوان عميقة تخرج من المخزن.
6. إريشته ببذور اليقطين: طبق الشتاء العملي
لعل الطبق الأكثر حضورًا في قرى كابادوكيا شتاءً هو إريشته. وهذه المعكرونة المنزلية منتج ثانوي لخبز التندور: فالقطع الفائضة بعد فرد العجين تقطع وتترك في الشمس أيامًا لتجف. وبعد تحميصها وطهيها، تتحول تلك الإريشته، حين ترش ببذور اليقطين المحمصة، إلى طبق كابادوكي بامتياز.
وبذور اليقطين هنا ليست مجرد عبق، بل ممارسة غذائية أيضًا. ففي الخريف تفصل نساء المنطقة البذور عن اليقطين المتبقي من الحصاد، ويجففنها ويحمصنها ويحفظنها للشتاء. وحين توضع على الإريشته في الأشهر الباردة تمنح قرمشة وإضافة بروتينية معًا. وهذا مثال جيد على أن لا شيء يضيع في المطبخ التقليدي: فالخبز والبذور والتوابل على المائدة نفسها تأتي كلها من أرض المنطقة.
7. دولاز وكوفتور: كنز بيوت الكروم الحلو
شكل تقليد الكروم في كابادوكيا ثقافة الحلوى بقدر ما شكل ثقافة النبيذ. فالدولاز يحضّر بنظم الجوز في خيط وغمسه مرات في دبس العنب وتركه ليجف. ولأنه يشبه نوعًا من النقانق، يسمى في بعض المناطق «سجق الجوز». أما الكوفتور فيصنع بتكثيف عصير العنب بالنشا وسكبه في صواني وتقطيعه بعد أن يتماسك؛ وهو لقوم طبيعي بلا سكر مصنّع.
وقد ابتكرت هاتان الحلويان لتحفظا شهورًا طويلة. فقبل أن يتحول عنب الكرم كله إلى نبيذ أو عصير، يحوّل جزء منه إلى دبس ويدخر لحلويات الشتاء. وكانت أثمن ما يقدم للأطفال في صباحات الأعياد. وما زالت هناك عائلات تحضّر الدولاز والكوفتور بالطريقة التقليدية في بيوت الكروم حول أوتشيسار ومصطفى باشا؛ وبقليل من البحث يمكنكم شراؤهما من صغار المنتجين.
8. البسطرمة والسجق في قيصري: التقاء النكهات المتجاورة
تقع قيصري جغرافيًا إلى الجنوب الشرقي مباشرة من كابادوكيا، وتتشابك تقاليد الطهي هناك منذ قرون. فالبسطرمة تصنع بترك لحم العجل طويلًا في الملح ثم تغطيته بخليط ناعم من الحلبة والثوم قبل تجفيفه. وشريحة واحدة تترك في الفم طبقات من التوابل تدوم طويلًا. أما السجق فيحضّر بلحم عجل معجون بالثوم والكمون والفلفل الأحمر والفلفل الأسود، ثم يعبأ في الأمعاء.
وهذا الثنائي لا غنى عنه على موائد الفطور في كابادوكيا. ففي الزبدة التي يحضّر فيها البيض توضع البسطرمة أو السجق أولًا ثم يزاوج البيض فوقها. وحواف مقرمشة وصفار سائل وعبق اللحم تصنع تجربة تفوق كثيرًا طبق فطور عادي. والمنشآت التي تقدم الفطور التركي تبرز هذا الثنائي بوجه خاص. وإن كنتم تبحثون عن جواب صباحي لسؤال ماذا نأكل في كابادوكيا، فهذه نقطة انطلاقكم.
9. القيمر الجاف: صبر ينضج في خمسة أيام
القيمر الجاف أشهر منتجات قرية قايماكلي على أطراف كابادوكيا. وخلافًا للقيمر العادي، يرتاح أيامًا عدة ويبلغ صلابة تتيح تقطيعه بالسكين. ويتطلب تحضيره صبرًا: يسخن حليب البقر الطازج طويلًا على نار هادئة، وتجمع الطبقة الدهنية المتشكلة على السطح كل يوم بعناية وتراكم في قبو بارد. وبعد خمسة أيام نحصل على قيمر أصفر خفيف، قوي العبق، يمكن تقطيعه شرائح.
وعلى مائدة الفطور التقليدية يقدم إلى جانب العسل. ويتوازن المنتجان توازنًا يجعل شيئًا لا يبدو أبدًا شديد الدسم ولا شديد الحلاوة؛ ويبقى مذاق غني لكنه منعش. ويكمل نحّالو كابادوكيا هذا الاقتران بأعسالهم المحلية من الزعتر والصنوبر والقتاد. وإن رأيتم قيمرًا جافًا على مائدة فطور، فاطمئنوا إلى أنه حضّر بعناية.
10. الشيرة والهردلية: هدية أوراق الكرمة
إن كان على رأس المائدة كباب، فلا بد من شيرة إلى جانبه. فثقافة الكروم في كابادوكيا تحيي إنتاج الشيرة منذ قرون بقدر إنتاج النبيذ. والشيرة عصير عنب غير مخمّر؛ لا تحتوي على كحول، وتحفظ سكرياتها الطبيعية، وهي غنية جدًا بفيتامينات المجموعة B. وحين تشرب باردة تذكّر بنسيم ليالي الصيف الخفيف في بيوت الكروم. وفي الشتاء تقدم دافئة قليلًا مع القرفة والقرنفل؛ والشيرة الساخنة من علاجات الطب الشعبي المحلي ضد الزكام أيضًا.
أما الهردلية فمشروب مخمّر يصنع من عناقيد العنب وبذور الخردل والتوابل. ومذاقه أوضح من مذاق الشيرة، مع لمسة حامضة. وكانت تقدم قديمًا إلى جانب أطباق اللحم الدسمة لتسهيل الهضم. وتوجد اليوم بكميات محدودة عند صغار المنتجين، خصوصًا بعد موسم القطاف. ولا ينبغي الخلط بينها وبين جعة بذور العنب: فالهردلية غير كحولية، وإن كان مذاقها يذكّر بالنبيذ.
أين نتذوق هذه الأطباق في كابادوكيا؟
أصدق طريقة لتذوق المطبخ المحلي لا تمر بقائمة المطعم بقدر ما تمر بالموقد الذي خلفها. فعلى المحور المركزي بين أوتشيسار وغوريمه وأفانوس ومصطفى باشا ستجدون منشآت تحافظ على طرق الطهي التقليدية. وثقافة أوجاق باشي ما زالت حية جدًا: اللحم الذي ينضج إلى جانب اللهب، والخضار التي تدور على الجمر، والخبز الخارج من فرن الحجر؛ هذا لا يوجد في أي مطعم، بل في الأماكن التي تصون التقليد.
ومطعم KMU Mehmet Usta، على قمة أوتشيسار، ثمرة خط حرفة انطلق من أكسراي عام 2009 ليصل إلى كابادوكيا. تستي كباب المطهو على نار الحطب، والتندور التقليدي، والقيمر الجاف والدولاز مجتمعين في الفطور التركي، وتقليد الشيرة في بيوت الكروم: كل ذلك موجود هناك. ووجبة أمام المشهد، بين الصخور البركانية، لا تطبع الذوق وحده بل الذاكرة أيضًا. ولهذا يبدأ من هنا أحد أكثر الأجوبة طبيعية عن سؤال ماذا نأكل في كابادوكيا.
جغرافيا كاملة في طبق واحد
الأطباق العشرة التي مررنا عليها في هذا المقال ليست مطبخًا بقدر ما هي الخطوط السرية لثقافة. فصبر اللحم المعلق في التندور، والمعرفة العائلية المسجلة في أطراف صرة المانتي، ورائحة الكرم في الدبس الذي يغلف الدولاز، كلها تحمل الإرث الألفي لكابادوكيا. فالأكل هنا لا يخدم التغذي وحده؛ إنه استرجاع لموسم أو لعيد أو لموسم قطاف.
وحين تأتون إلى هذه المنطقة، لا تصعدوا إلى المرتفعات فحسب، بل انزلوا إلى باطن الأرض أيضًا؛ ولا تصوّروا رحلة المنطاد فحسب، بل عيشوا أيضًا اللحظة أمام جرة فخارية. فالجواب الحقيقي عن سؤال ماذا نأكل في كابادوكيا ليس في قائمة مطعم، بل في ذلك الوقت المتراكم بصبر إلى جانب الموقد. وإن أردتم أن تجدوا كل طبقات المطبخ التقليدي على مائدة واحدة، على قمة أوتشيسار وفي ظل الصخور البركانية، فيمكنكم تتبع أثر ستة عشر عامًا من الحرفة في موقد KMU Mehmet Usta.


-1.webp&w=3840&q=75)



